ودية روسيا.. لماذا خاطر اتحاد الكرة بمباراة قد لا تفيد تصنيف مصر؟

لم تعد مواجهة منتخب مصر الودية أمام روسيا مجرد محطة فنية في طريق الفراعنة نحو كأس العالم 2026، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ملف مزدوج يجمع بين الحسابات الجماهيرية والتصنيف العالمي، بعدما تقرر نقل المباراة إلى استاد القاهرة وطرح التذاكر مجانًا، في الوقت الذي ما زال فيه اعتماد اللقاء دوليًا معلقًا بقرار من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”.
المباراة المقرر إقامتها يوم 28 مايو الجاري كانت مقررة في البداية على استاد مصر بالعاصمة الإدارية، قبل أن يتم نقلها إلى استاد القاهرة من أجل إتاحة فرصة أكبر لحضور الجماهير والاستمتاع بالأجواء، مع طرح التذاكر مجانًا عبر شركة “تذكرتي”، احتفالًا بمرور 10 سنوات على إنشائها.
هذا القرار يمنح اللقاء بعدًا جماهيريًا مهمًا، خاصة أن منتخب مصر يستعد للظهور في كأس العالم وسط ترقب كبير من الجماهير، لكن في المقابل تبقى الأزمة الأكبر خارج المدرجات، وتحديدًا في مسألة اعتماد المباراة رسميًا واحتسابها ضمن تصنيف فيفا.
مباراة جماهيرية.. لكن السؤال: هل تُحتسب دوليًا؟
نقل المباراة إلى استاد القاهرة يعكس رغبة واضحة في تحويل الودية إلى حدث جماهيري كبير، خصوصًا أن الملعب يمتلك سعة وخبرة تنظيمية أكبر في استقبال المباريات الكبرى. كما أن طرح التذاكر مجانًا قد يضمن حضورًا جماهيريًا لافتًا، ويمنح لاعبي منتخب مصر أجواء قريبة من الضغط الحقيقي قبل خوض منافسات كأس العالم.
لكن القيمة الفنية والجماهيرية للمباراة لا تلغي الأزمة الأساسية. منتخب روسيا ما زال واقعًا تحت قيود الإيقاف الدولي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يجعل أي مباراة يخوضها بحاجة إلى تعامل خاص من فيفا حتى يتم اعتمادها كمباراة دولية رسمية.
ولهذا تقدم الاتحاد المصري لكرة القدم، بالتنسيق مع الاتحاد الروسي، بطلب إلى فيفا من أجل اعتماد المباراة، خاصة أنها ستقام بين منتخبين أولين، وبطاقم تحكيم أجنبي، وضمن برنامج إعداد واضح لمنتخب مصر قبل المونديال.
الأزمة هنا أن عدم اعتماد اللقاء سيجعله خارج حسابات التصنيف العالمي، وهو ما يعني أن منتخب مصر قد يخوض مباراة قوية أمام منافس أوروبي له تاريخ وخبرة، دون أن يحصل على أي استفادة رقمية في جدول فيفا، حتى لو حقق نتيجة إيجابية.
ظلم تصنيفي يهدد مكاسب الفراعنة
من الناحية الفنية، مواجهة روسيا مفيدة لمنتخب مصر. فهي اختبار مختلف عن أغلب المباريات الودية التقليدية، خاصة أن المنتخب الروسي يتميز بالقوة البدنية والتنظيم الدفاعي والاحتكاك الأوروبي، وهي أمور يحتاجها الفراعنة قبل مواجهة منتخبات متنوعة المدارس في كأس العالم.
لكن من الناحية التصنيفية، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالتصنيف العالمي لا يعتمد فقط على أداء المنتخبات، بل على اعتماد المباريات رسميًا. وبالتالي، إذا لم يمنح فيفا الموافقة النهائية، فإن منتخب مصر سيُحرم من فرصة تحسين مركزه أو زيادة رصيده من النقاط، رغم خوضه مواجهة جادة في إطار الاستعداد للبطولة الأهم عالميًا.
وهنا يظهر وجه الظلم بوضوح. منتخب مصر لا يتحمل أسباب إيقاف روسيا، ولا يطلب أفضلية استثنائية، بل يطلب فقط احتساب مباراة تقام وفق إطار تنظيمي واضح. وإذا كانت بعض مباريات المنتخب الروسي الودية في الفترة الماضية قد ظهرت معتمدة في سجلات فيفا، فمن المنطقي أن يطرح الجانب المصري سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تُعامل مواجهة مصر بالطريقة نفسها؟
الأمر لا يتعلق بمباراة واحدة فقط، بل بمرحلة كاملة قبل كأس العالم. فكل نقطة في التصنيف قد يكون لها تأثير على صورة المنتخب عالميًا، وعلى الحسابات المستقبلية المتعلقة بالقرعات والتصنيفات. ومن غير العادل أن يخوض منتخب مصر اختبارًا صعبًا ويحمل مخاطرة فنية ومعنوية، ثم لا يحصل على المقابل التصنيفي إذا خرج بنتيجة إيجابية.
وتزداد أهمية المواجهة لأنها تأتي ضمن برنامج تحضيري يشمل أيضًا مباراة ودية أخرى أمام البرازيل في أمريكا قبل المونديال، ما يؤكد أن الجهاز الفني لا يبحث عن مباريات سهلة، بل عن احتكاكات قوية تجهز اللاعبين لمستوى المنافسة العالمية.
منتخب مصر يتواجد في المجموعة السابعة بكأس العالم إلى جانب بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، وهي مجموعة تحتاج إلى إعداد متوازن يجمع بين القوة البدنية، والسرعة، والمرونة التكتيكية. ولذلك تبدو ودية روسيا حلقة مهمة في هذا التحضير، حتى لو بقي مصيرها التصنيفي معلقًا.
التاريخ أيضًا يمنح المباراة طابعًا خاصًا، بعدما التقى المنتخبان من قبل في 7 مواجهات، فاز المنتخب الروسي في 6 منها، بينما حقق منتخب مصر انتصارًا واحدًا فقط. وكانت آخر مواجهة بين الطرفين في كأس العالم 2018، حين فازت روسيا بنتيجة 3-1 في دور المجموعات.
في النهاية، نقل المباراة إلى استاد القاهرة وفتح المدرجات مجانًا خطوة إيجابية تمنح اللقاء قيمة جماهيرية كبيرة، لكنها لا تكفي وحدها. القيمة الحقيقية ستكتمل فقط إذا اعتمد فيفا المباراة دوليًا، لأن منتخب مصر يستحق أن تُحتسب له مواجهة بهذا الحجم، لا أن يخوضها كاختبار قوي بلا نقاط، وبلا أثر في التصنيف العالمي.
ودية مصر وروسيا أصبحت أكبر من مجرد مباراة استعداد. هي اختبار لفكرة العدالة في التصنيف الدولي، ورسالة واضحة بأن المنتخبات التي تستعد بجدية للمونديال يجب ألا تُحرم من حقوقها بسبب ظروف إدارية لا تخصها.
